ماذا يعني أن يكون طفلك توحديًا؟

عندما يسمع الأهل كلمة “توحد” لأول مرة، يبدأ البحث عن معناها. يقرأون التعريفات الطبية، ويشاهدون المقاطع المصورة، ويقارنون طفلهم بقصص الآخرين. وبعد ساعات من البحث، يكتشف كثير منهم أنهم يعرفون اسم التشخيص، لكنهم ما زالوا لا يفهمون طفلهم. وهذا أمر طبيعي.

فالتوحد ليس كلمة يمكن اختصارها في تعريف، ولا مجموعة أعراض يمكن حفظها. إنه طريقة مختلفة في إدراك العالم، والتفاعل معه، والتعلم منه. وكلما فهمنا هذه الفكرة، أصبح من الأسهل أن نفهم الطفل نفسه.

اختلاف التوحد يبدأ من طريقة استقبال العالم

نحن جميعًا نستقبل المعلومات من خلال حواسنا، ثم يعالجها الدماغ ويقرر كيف يستجيب لها. بالنسبة لمعظم الناس، تتم هذه العملية بصورة تلقائية ومنظمة، لذلك قد لا ينتبهون إليها أصلًا.

أما الطفل التوحدي، فقد يعيش هذه التجربة بطريقة مختلفة. قد يكون الصوت الذي يمر مرورًا عاديًا بالنسبة لنا شديد الإزعاج بالنسبة له، أو يحتاج إلى وقت أطول لفهم ما يقال له، أو يلاحظ تفاصيل لا ينتبه إليها الآخرون. أحيانًا يشعر بأن العالم يتحرك بسرعة أكبر مما يستطيع دماغه معالجته، وأحيانًا يركز على تفاصيل صغيرة بينما ينشغل الآخرون بالصورة الكبيرة.

هذه الاختلافات ليست اختيارًا، وليست سلوكًا متعمدًا، بل هي جزء من الطريقة التي يعمل بها دماغه.

التوحد لا يبدو بالشكل نفسه عند جميع الأطفال

من أكثر المفاهيم التي تربك الأهالي أنهم يتوقعون أن يشبه طفلهم جميع الأطفال التوحديين. يسمعون قصة عن طفل لا يتكلم، فيقلقون لأن طفلهم يتكلم. أو يشاهدون طفلًا يحب العناق، بينما طفلهم يبتعد عن اللمس، فيظنون أن التشخيص غير صحيح.

الحقيقة أن كلمة “طيف” ليست مجرد مصطلح طبي، بل وصف دقيق للتنوع الكبير بين الأشخاص التوحديين. قد يتشابه طفلان في بعض الخصائص، ثم يختلفان تمامًا في خصائص أخرى. قد يحتاج أحدهما إلى دعم كبير في التواصل، بينما تكون أكبر تحديات الآخر في الحواس أو القلق أو التغيرات اليومية.

لهذا السبب، لن نحاول في هذا الموقع أن نقارن طفلك بطفل آخر، بل سنساعدك على فهمه كما هو.

السلوك هو آخر ما نراه

عندما ينهار الطفل، أو يرفض الطعام، أو يكرر حركة معينة، فإن هذا هو الجزء الظاهر فقط. أما ما يحدث قبله، فلا يراه أحد.

قد يكون مرهقًا من الضوضاء منذ ساعة.

أو مرتبكًا لأن الروتين تغير فجأة.

أو عاجزًا عن التعبير عما يريده.

أو يحاول تنظيم نفسه بالطريقة التي يعرفها.

عندما نركز على السلوك وحده، نفقد القصة التي سبقته. أما عندما نحاول فهم ما يمر به الطفل، يصبح السلوك جزءًا من الصورة، وليس الصورة كلها.

ولهذا ستجد أن معظم مقالات هذا الموقع لا تبدأ بالسؤال: “كيف أوقف هذا السلوك؟”، وإنما تبدأ بسؤال مختلف: “ما الذي يجعل هذا السلوك منطقيًا بالنسبة لطفلي؟”

لكل طفل توحد نقاط قوة أيضًا

من السهل أن ينشغل الأهل بالتحديات بعد التشخيص، خصوصًا في الأشهر الأولى. لكن الطفل التوحدي ليس مجموعة من الصعوبات، كما أنه ليس مجموعة من المواهب الخارقة التي تُتداول في القصص المنتشرة على الإنترنت.

هو إنسان، لديه جوانب يحتاج فيها إلى الدعم، وجوانب أخرى قد تكون مصدر قوته. قد يمتلك ذاكرة مميزة، أو انتباهًا للتفاصيل، أو شغفًا عميقًا بمجال معين، أو صدقًا في التعبير، أو قدرة على ملاحظة أنماط لا يراها الآخرون.

مهمتنا ليست البحث عن موهبة استثنائية لنثبت أن التوحد “ميزة”، ولا التركيز على الصعوبات حتى ننسى بقية شخصيته. مهمتنا أن نرى الطفل كاملًا، بكل ما يحمله من احتياجات وإمكانات.

ماذا يعني هذا بالنسبة لك كأب أو أم؟

يعني أن علاقتك بطفلك لن تُبنى على حفظ قائمة من الأعراض، بل على ملاحظته والتعرف إليه يومًا بعد يوم. ستكتشف أن بعض النصائح تناسبه، وأخرى لا تناسبه، وأن أفضل القرارات هي تلك التي تنطلق من فهمك له، لا من مقارنة حياته بحياة طفل آخر.

ولهذا، لا تتوقع أن يمنحك هذا الموقع إجابة واحدة تصلح لجميع الأطفال. ما سنقدمه هو المعرفة التي تساعدك على طرح الأسئلة الصحيحة، وفهم احتياجات طفلك، واختيار الطريق الذي يناسبه.

رحلتنا تبدأ من الطفل… لا من التشخيص

التشخيص مهم لأنه يساعدنا على فهم احتياجات الطفل والوصول إلى الدعم المناسب، لكنه لا يخبرنا من هو طفلك. ما يخبرنا بذلك هو الوقت الذي تقضيه معه، والأشياء التي يحبها، وما يريحه، وما يزعجه، والطريقة التي يعبر بها عن نفسه، حتى عندما لا يستخدم الكلمات.

في نهاية المطاف، سيبقى هدف هذا الموقع بسيطًا وواضحًا.

أن يساعدك على فهم طفلك، لأن هذا الفهم هو الأساس الذي ستُبنى عليه كل خطوة تأتي بعده.

إيمان الشعلة

محررة صحفية بخبرة تتجاوز 15 عامًا، وناشطة حقوقية في مجال دعم الأم والأسرة وصوت التوحديين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى