لماذا أسأنا فهم التواصل عند الطفل التوحدي لسنوات؟

لفترة طويلة، ارتكبنا خطأً بسيطًا… لكنه غيّر طريقة تعاملنا مع ملايين الأطفال.

نظرنا إلى التواصل من نافذة واحدة فقط: الكلام.

إذا تكلم الطفل، قلنا إنه يتواصل.

وإذا لم يتكلم، افترضنا أنه لا يتواصل.

لكن مع تطور علم الأعصاب وعلم النفس النمائي، بدأت هذه الفكرة تتصدع. لم يكن الخطأ في الأطفال، بل في تعريفنا الضيق لمعنى التواصل.

فالتواصل لا يبدأ بالكلمات… ولا ينتهي عندها.

عندما اختزلنا التواصل في الكلام، لنفترض أن شخصًا فقد صوته مؤقتًا. هل يعني ذلك أنه فقد قدرته على التواصل؟ بالطبع لا.

قد يكتب، أو يشير، أو ينظر، أو يبتسم، أو يرفض، أو يقترب، أو يبتعد. كل هذه رسائل. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالطفل التوحدي، كثيرًا ما ننسى هذه الحقيقة.

نقيس تواصله بعدد الكلمات التي يقولها، لا بعدد الرسائل التي يحاول إيصالها.

وهنا يبدأ سوء الفهم.

التواصل وظيفة دماغية.. وليس مهارة لغوية فقط

الكلام جزء من التواصل، لكنه ليس التواصل كله.

قبل أن ينطق الطفل بكلمة واحدة، يقوم دماغه بسلسلة معقدة من العمليات:

  • هل لاحظ الشخص أمامه؟
  • هل أدرك أن لديه شيئًا يستحق المشاركة؟
  • هل فهم أن الطرف الآخر يستطيع مساعدته؟
  • هل اختار أفضل طريقة لإيصال رسالته؟
  • وهل استطاع تنفيذها؟

قد تتعثر أي خطوة من هذه الخطوات، حتى لو كانت القدرة على نطق الكلمات موجودة.

لهذا قد يتحدث طفل بطلاقة، لكنه يجد صعوبة في بدء حوار، أو في طلب المساعدة، أو في مشاركة اهتمامه مع الآخرين.

لماذا بدا بعض الأطفال وكأنهم “لا يريدون التواصل”؟

لأننا كنا نراقب الطريقة، لا الغاية.

قد لا ينظر الطفل في العين، لكنه يقترب منك عندما يحتاج إلى الأمان.

قد لا يطلب الماء بالكلام، لكنه يأخذ يدك إلى المطبخ.

قد لا يجيب عندما تناديه، لكنه يلتفت فور سماع صوت لعبته المفضلة.

كل هذه محاولات تواصل.

لكنها لا تشبه الصورة التقليدية التي رسمناها للتواصل.

الطفل قد يكون صامتًا… لكنه ليس صامتًا من الداخل

أحد أكثر الاعتقادات ظلمًا هو أن غياب الكلام يعني غياب الفهم أو الرغبة في التواصل.

بينما تشير الخبرة السريرية والبحوث إلى أن كثيرًا من الأطفال التوحديين لديهم رغبة في التواصل، لكنهم يواجهون صعوبة في ترجمة أفكارهم إلى سلوك تواصلي مفهوم للآخرين.

تخيل أنك تعرف الإجابة، لكنك لا تستطيع إخراجها في اللحظة المناسبة.

هذا لا يعني أنك لا تعرف.

بل يعني أن الطريق بين الفكرة والتعبير ليس سهلًا.

لماذا ركز العلم على “التواصل المشترك”؟

في السنوات الأخيرة، لم يعد الباحثون يسألون فقط:

“كم كلمة يقول الطفل؟”

بل أصبحوا يسألون:

“هل يحاول مشاركة اهتمامه مع الآخرين؟”

حين يشير طفل إلى طائرة في السماء فقط ليشارك والده دهشته، فهذا ليس مجرد إصبع مرفوع.

إنه إعلان من الدماغ يقول:

“أريدك أن ترى ما أراه.”

وهذه القدرة تُعد من أهم أسس التواصل الإنساني، حتى قبل اللغة.

ليس كل طفل يتكلم… يتواصل

قد يمتلك طفل حصيلة لغوية كبيرة، لكنه يستخدمها فقط لتكرار عبارات سمعها، أو للحديث عن اهتمام واحد، أو للإجابة عن الأسئلة دون أن يبدأ حوارًا.

وهذا يذكرنا بحقيقة مهمة:

اللغة أداة للتواصل، لكنها ليست التواصل نفسه.

التواصل يعني أن أفهم وجود الآخر، وأدرك أن له أفكارًا ومشاعر، وأحاول بناء جسر بين عالمي وعالمه.

وليس كل طفل لا يتكلم عاجزًا عن التواصل

في المقابل، قد لا يستخدم طفل الكلمات إطلاقًا، لكنه:

  • يشير.
  • يسحب يد والده.
  • يناول صورة.
  • يبتسم عند رؤية شخص يحبه.
  • يرفض بإبعاد الشيء.
  • يشارك الآخرين اهتمامه بطريقته الخاصة.

هذه ليست “بدائل مؤقتة”.

إنها وسائل تواصل حقيقية.

وعندما نعترف بها، نبدأ أخيرًا في الاستماع إلى الطفل، بدل انتظار أن يتحدث بالطريقة التي نريدها.

المشكلة لم تكن في الطفل… بل في العدسة التي نظرنا من خلالها

لسنوات طويلة، سألنا السؤال الخطأ:

“لماذا لا يتواصل الطفل؟”

بينما كان السؤال الأدق:

“كيف يتواصل الطفل، ولماذا لا نلاحظ طريقته؟”

هذا التغيير البسيط في السؤال يغيّر كل شيء.

فبدل أن نحاول إجبار الطفل على استخدام قناة واحدة، نبدأ بالبحث عن القناة التي يستطيع دماغه استخدامها بفاعلية.

ماذا يتغير عندما نعيد تعريف التواصل؟

عندما نفهم أن التواصل أوسع من الكلام:

  • نتوقف عن اعتبار كل صمت فشلًا.
  • ونبدأ بملاحظة المحاولات الصغيرة التي كان الطفل يقوم بها طوال الوقت.
  • نصبح أكثر قدرة على دعمه، لأننا نبني على ما يستطيع فعله، لا على ما ينقصه.
  • وندرك أن الهدف ليس أن يبدو الطفل مثل الآخرين، بل أن يمتلك وسيلة فعالة وآمنة للتعبير عن نفسه.

 

ربما لم يكن الطفل التوحدي أقل تواصلًا مما اعتقدنا. بل ربما كنا نحن أقل قدرة على قراءة لغته.

وعندما نغيّر تعريفنا للتواصل، نكتشف أن كثيرًا من الأطفال لم يكونوا صامتين أبدًا.

لقد كانوا يتحدثون… لكن بلغة لم نتعلمها بعد.


إيمان الشعلة

محررة صحفية بخبرة تتجاوز 15 عامًا، وناشطة حقوقية في مجال دعم الأم والأسرة وصوت التوحديين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى