لماذا لا يستجيب الطفل التوحدي لاسمه؟
“أناديه مرارًا… لكنه لا يلتفت.”
تكاد تكون هذه الجملة من أكثر العبارات التي يرددها آباء وأمهات الأطفال التوحديين، وغالبًا ما تتبعها أسئلة مليئة بالحيرة: هل يسمعني؟ هل يتجاهلني؟ أم أنه لا يعرف أنني أقصده؟
قد يبدو عدم الاستجابة للاسم سلوكًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة من أكثر السلوكيات تعقيدًا من الناحية العصبية. فالاستجابة للاسم لا تعتمد على السمع وحده، بل على شبكة كاملة من العمليات الدماغية التي تبدأ بالتقاط الصوت، ثم تمييزه، وربطه بالذات، وإدراك أن هناك شخصًا يحاول بدء تواصل، وأخيرًا تحويل الانتباه والاستجابة.
ولهذا، فإن عدم الالتفات لا يعني دائمًا أن الطفل لا يسمع أو لا يرغب في التواصل، بل قد يعكس اختلافًا في الطريقة التي يعالج بها دماغه المعلومات الاجتماعية.
الأسباب التي تجعل طفل التوحد لا يرد على اسمه؟
بالنسبة لمعظم الأطفال، يبدأ الاسم منذ الأشهر الأولى من العمر في اكتساب معنى خاص. ومع تكرار استخدامه في مواقف مليئة بالتفاعل والاهتمام، يتعلم الدماغ أن هذا الصوت يشير إليه شخصيًا، وأن الاستجابة له تحمل قيمة اجتماعية. ومع مرور الوقت، يصبح الاسم منبهًا يجذب الانتباه بصورة شبه تلقائية.
أما عند بعض الأطفال التوحديين، فقد لا يكتسب الاسم هذه الأولوية العصبية بالسرعة نفسها. فالطفل قد يسمع الصوت بوضوح، لكنه لا يربطه مباشرة بفكرة أن شخصًا ما يحاول التواصل معه. وهنا لا تكمن المشكلة في سماع الاسم، بل في المعنى الذي يمنحه الدماغ لهذا الصوت.
هل المشكلة في السمع؟
كثير من الأهالي يظنون في البداية أن طفلهم يعاني من ضعف في السمع، لكن الواقع غالبًا يكون مختلفًا. فقد ينادي الأب اسم طفله عدة مرات دون أن يلتفت، ثم بعد دقائق يسمع الطفل صوت فتح علبة حلوى في غرفة أخرى، أو صوت تشغيل لعبته المفضلة، فيستجيب فورًا.
هذا التناقض يخبرنا أن الأذن تعمل، وأن الدماغ قادر على التقاط الأصوات الدقيقة، لكنه لا يمنح جميع الأصوات الدرجة نفسها من الأهمية. فبينما قد يحمل صوت اللعبة أو النشاط المفضل قيمة كبيرة بالنسبة للطفل، قد لا يحظى اسمه بالأولوية نفسها في تلك اللحظة.
ولهذا السبب، يوصي الأطباء دائمًا بإجراء فحص السمع عند وجود شك، لكن كثيرًا من الأطفال التوحديين الذين لا يستجيبون لأسمائهم تكون نتائج الفحص لديهم طبيعية تمامًا.
لماذا يستجيب أحيانًا ويتجاهل الاسم في أوقات أخرى؟
من أكثر الأمور التي تربك العائلات أن الطفل قد يستجيب لاسمه في موقف، ثم لا يستجيب له بعد دقائق. فقد يلتفت عندما يكون جالسًا بهدوء مع أحد والديه، لكنه لا يستجيب إطلاقًا أثناء اللعب، أو في مكان مزدحم، أو عندما يكون متعبًا.
هذا لا يعني أن الطفل يقرر متى يستجيب ومتى يتجاهل، بل لأن الانتباه ليس قدرة ثابتة. فهو يتأثر بمستوى الإرهاق، وكمية المثيرات الموجودة حوله، ودرجة انغماس الطفل في النشاط الذي يقوم به. وكلما زاد العبء على الدماغ، أصبحت عملية تحويل الانتباه إلى مناداة الاسم أكثر صعوبة.
عندما يندمج الطفل في اهتمامه
يعرف كثير من الأهالي هذا المشهد جيدًا. يكون الطفل منهمكًا في ترتيب سياراته، أو مراقبة دوران عجلة لعبة، أو بناء شكل معين بالمكعبات. تناديه مرة، ثم مرتين، وربما أكثر، لكنه لا يرفع رأسه.
قد يبدو وكأنه يتعمد تجاهلك، لكن علم الأعصاب يقدم تفسيرًا مختلفًا. فبعض الأطفال التوحديين يدخلون في حالة من التركيز العميق تجعل دماغهم يوجه معظم موارده إلى المهمة الحالية. وعندها، يصبح تحويل الانتباه إلى صوت آخر عملية تحتاج إلى جهد معرفي إضافي، ولذلك قد تتأخر الاستجابة أو لا تحدث إلا بعد انتهاء النشاط.
الاستجابة للاسم ليست خطوة واحدة
قد نعتقد أن سماع الاسم ثم الالتفات يحدثان بصورة تلقائية، لكن الدماغ يمر بعدة مراحل متتابعة قبل أن يستجيب الطفل. فهو يحتاج أولًا إلى التقاط الصوت، ثم تمييز أنه اسمه، ثم إدراك أن شخصًا ما يقصده، وبعد ذلك تحويل انتباهه بعيدًا عن النشاط الحالي، وأخيرًا التخطيط للحركة والاستجابة.
أي صعوبة في واحدة من هذه المراحل قد تجعل الطفل يبدو وكأنه لم يسمع اسمه، رغم أن المشكلة الحقيقية تقع في مرحلة أخرى تمامًا.
هل يعني ذلك أن الطفل لا يهتم بالآخرين؟
هذا من أكثر الاستنتاجات شيوعًا، لكنه ليس بالضرورة صحيحًا. فالطفل قد لا يلتفت لاسمه في لحظة معينة، لكنه يقترب من والديه عندما يشعر بالخوف، أو يبحث عنهم عندما يحتاج إلى المساعدة، أو يشاركهم فرحته بطريقته الخاصة.
إن الاهتمام بالآخرين لا يُقاس فقط بسرعة الالتفات عند سماع الاسم، بل بمجموعة واسعة من السلوكيات الاجتماعية التي تختلف من طفل إلى آخر. لذلك فإن تفسير كل موقف بمعزل عن السياق قد يقود إلى استنتاجات غير دقيقة.
لماذا لا يفيد تكرار الاسم عشرات المرات؟
عندما يكرر الأهل اسم الطفل باستمرار دون هدف واضح، قد يتحول الاسم إلى صوت مألوف يفقد تأثيره مع الوقت، تمامًا كما نتوقف عن ملاحظة صوت المكيف أو حركة الساعة بعد فترة من وجودهما.
ولهذا فإن استخدام الاسم يكون أكثر فاعلية عندما يرتبط بتفاعل حقيقي أو حدث مهم بالنسبة للطفل. فالغاية ليست أن يسمع الطفل اسمه مرات أكثر، بل أن يدرك أن سماعه لهذا الصوت يحمل رسالة تستحق الانتباه.
ماذا يعني هذا للأهل؟
عندما لا يستجيب الطفل لاسمه، قد يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا قبل إصدار الأحكام: هل كان منهمكًا في نشاط يحبه؟ هل كانت البيئة مليئة بالأصوات والمثيرات؟ هل كان مرهقًا أو متوترًا؟ وهل كان نداء الاسم مرتبطًا بشيء مهم بالنسبة إليه؟
هذه الأسئلة لا تبرر السلوك، لكنها تساعدنا على فهم ما يحدث داخل الدماغ، وهو فهم يقود إلى تعامل أكثر هدوءًا وواقعية مع الطفل.
قد يبدو الاسم بالنسبة لنا مجرد كلمة قصيرة، لكنه بالنسبة للدماغ إشارة اجتماعية معقدة تمر بعدة مراحل قبل أن تتحول إلى استجابة. وعندما لا يلتفت الطفل لاسمه، فليس من العدل أن نفسر ذلك مباشرة على أنه تجاهل أو عدم اهتمام.
أحيانًا لا تكون المشكلة في السمع، ولا في الرغبة في التواصل، بل في الطريقة التي يعالج بها الدماغ الأصوات ويمنحها الأولوية. وكلما فهمنا هذه الحقيقة، أصبحنا أكثر قدرة على رؤية الطفل كما هو، لا كما نتوقع أن يكون.







