هل يفهم الطفل التوحدي ما نقوله له؟
كم مرة قلت لطفلك: “أعطني الكرة”… فلم يتحرك؟
ربما كررت الطلب مرة ثانية، ثم ثالثة، ولم تحصل على أي استجابة. وفي تلك اللحظة، قد يتسلل إليك سؤال مؤلم:
“هل هو لا يفهمني أصلًا؟”
هذا السؤال يرافق آلاف العائلات بعد تشخيص التوحد، لكنه في كثير من الأحيان ينطلق من افتراض غير دقيق، وهو أن الفهم يُقاس دائمًا بسرعة الاستجابة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فالدماغ قد يفهم الرسالة، ومع ذلك لا يتمكن من الاستجابة بالطريقة التي نتوقعها أو في الوقت الذي ننتظره.
الخلط بين الفهم والاستجابة لدى التوحدي
في الحياة اليومية، نفترض أن من يفهم سيجيب مباشرة.
لكن هذا ليس صحيحًا دائمًا.
كم مرة كنت تقرأ كتابًا أو تعمل على الحاسوب، وناداك أحدهم أكثر من مرة قبل أن تنتبه؟ لم يكن السبب أنك لم تفهم اسمه أو لم تسمعه، بل لأن انتباهك كان منشغلًا بشيء آخر.
الطفل التوحدي قد يمر بتجربة مشابهة، لكن بصورة أكثر تعقيدًا. فالاستجابة ليست خطوة واحدة، بل سلسلة من العمليات العصبية تبدأ بسماع الكلام، ثم فهم معناه، ثم تحويل الانتباه، ثم التخطيط للحركة أو للكلام، وأخيرًا تنفيذ الاستجابة.
أي صعوبة في إحدى هذه المراحل قد تجعل الطفل يبدو وكأنه لم يفهم، بينما المشكلة الحقيقية ليست في الفهم أصلًا.
طفل التوحد قد يفهم أكثر مما نظن
يخبر كثير من الأهالي القصة نفسها.
يظنون أن طفلهم لا يفهم شيئًا مما يقال في المنزل، ثم يفاجئون بأنه بعد أسابيع يقلد جملة سمعها مرة واحدة، أو يذهب إلى مكان ذُكر اسمه في حديث عابر، أو يتذكر تفاصيل لم يعتقد أحد أنه انتبه إليها.
هذه المواقف ليست دليلًا على أن جميع الأطفال التوحديين يفهمون كل شيء، لكنها تذكرنا بحقيقة مهمة:
غياب الاستجابة لا يعني غياب الإدراك.
فالدماغ قد يكون استقبل المعلومات وخزنها، حتى لو لم يظهر ذلك مباشرة.
لماذا لا يجيب إذا كان يفهم؟
الفهم وحده لا يكفي.
لكي يجيب الطفل، يحتاج إلى أن:
- ينتبه إلى أن الكلام موجه إليه.
- يفهم المقصود.
- يقرر كيف سيستجيب.
- يخطط للحركة أو للكلمات.
- ينفذ الاستجابة.
هذه الخطوات تحدث خلال ثوانٍ قليلة عند معظم الناس، لكن بعضها قد يحتاج إلى وقت أطول عند بعض الأطفال التوحديين.
ولهذا قد يبدو الطفل وكأنه لم يفهم، بينما هو في الحقيقة ما يزال يعالج المعلومات.
أحيانًا يحتاج الدماغ إلى وقت
كثير من الأطفال التوحديين يحتاجون إلى ثوانٍ إضافية لمعالجة الكلام.
وعندما يكرر الشخص السؤال بسرعة، أو يغير صياغته، أو يطرح سؤالًا آخر قبل أن ينتهي الطفل من معالجة الأول، يصبح الأمر أكثر صعوبة. لأن الدماغ لم يحصل على الوقت الكافي لإنهاء المهمة الأولى.
لهذا، فإن منح الطفل بضع ثوانٍ من الصمت بعد الحديث قد يكون أكثر فائدة من إعادة السؤال عشر مرات.
الفهم لا يعتمد على الكلام فقط
هناك أطفال توحديون لا يستخدمون اللغة المنطوقة، لكنهم يفهمون كثيرًا مما يدور حولهم.
قد ينفذون تعليمات بسيطة، أو يميزون الأشخاص، أو يعرفون الروتين اليومي، أو يظهرون ردود فعل مناسبة لما يسمعونه.
وفي المقابل، قد يوجد طفل يتحدث بطلاقة لكنه يجد صعوبة في فهم المعاني المجردة أو الإشارات الاجتماعية.
لهذا، فإن القدرة على الكلام ليست مقياسًا دقيقًا للفهم، كما أن غياب الكلام لا يعني غياب الإدراك.
لماذا يبدو وكأنه لا يسمع؟
أحيانًا يكون السبب أن الدماغ مشغول بمعالجة كمية كبيرة من المعلومات الحسية.
قد يكون الطفل يحاول التعامل مع الأصوات، أو الإضاءة، أو الحركة من حوله، فتصبح معالجة الكلمات مهمة إضافية تحتاج إلى جهد أكبر.
وفي أوقات أخرى، يكون منغمسًا بالكامل في نشاط يحبه، فيصبح تحويل الانتباه إلى حديث شخص آخر أكثر صعوبة.
كل ذلك قد يجعل الاستجابة تتأخر، دون أن يعني أن الرسالة لم تصل.
كيف نعرف أنه يفهم؟
لا تعتمد الإجابة على موقف واحد.
انظر إلى الصورة كاملة.
- هل يعرف الروتين اليومي؟
- هل يذهب إلى الباب عندما يسمع كلمة “خروج”؟
- هل يبحث عن لعبته عندما يسمع اسمها؟
- هل يتفاعل مع الأغاني التي يحبها؟
- هل يهدأ عندما يسمع صوت شخص يشعر معه بالأمان؟
كل هذه السلوكيات قد تكون مؤشرات على أن الفهم موجود، حتى لو لم يكن التعبير عنه بالطريقة التقليدية.
ماذا يعني هذا للأهل؟
بدل أن نسأل بعد كل مرة لا يجيب فيها الطفل:
“هل فهمني؟”
قد يكون السؤال الأفضل:
“هل استطاع أن يُظهر لي أنه فهم؟”
الفرق بين السؤالين كبير.
الأول يفترض أن غياب الاستجابة يعني غياب الفهم.
أما الثاني، فيفتح الباب لاحتمالات أخرى، مثل الحاجة إلى وقت أطول، أو طريقة مختلفة للتواصل، أو بيئة أقل إزعاجًا.
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن نحكم على عقل الطفل من خلال سرعة استجابته.
لكن الدماغ لا يعمل بالطريقة نفسها عند جميع الناس، والاستجابة ليست المرآة الوحيدة للفهم.
قد يفهم الطفل أكثر مما نعتقد، وقد يحتاج فقط إلى وقت، أو طريقة مختلفة، أو بيئة تمنحه فرصة لإظهار ما يعرفه.
وعندما نتوقف عن قياس الفهم بسرعة الإجابة، نبدأ أخيرًا في رؤية الطفل كما هو، لا كما اعتدنا أن نتوقع منه.



