أساسيات يجب أن تعرفها عن دماغ الطفل التوحدي

إذا كان هناك شيء واحد سيغيّر نظرتك لطفلك، فهو أن تبدأ بفهم دماغه، لا سلوكه فقط.

كثير من الأهالي يصلون إلى مرحلة التشخيص وهم يحملون قائمة طويلة من الأسئلة: لماذا لا يستجيب لاسمه؟ لماذا يغضب فجأة؟ لماذا يكرر الحركة نفسها؟ لماذا لا يحب الأصوات أو اللمس؟ ولماذا يبدو وكأنه يعيش في عالم مختلف؟

من الطبيعي أن تبدو هذه التصرفات غريبة عندما ننظر إليها من الخارج، لكن معظمها يصبح أكثر وضوحًا عندما نفهم أن دماغ الطفل التوحدي يعالج المعلومات بطريقة تختلف عن دماغ غير التوحدي. هذه الاختلافات لا تعني أن دماغه “لا يعمل”، بل تعني أنه يعمل بطريقة مختلفة، وهذا الاختلاف ينعكس على طريقة إدراكه للعالم، وتواصله، وتعلمه، واستجابته لما يدور حوله.

في هذا المقال، سنتعرف على أهم المبادئ التي تساعدك على فهم دماغ الطفل التوحدي، حتى تتمكن من قراءة سلوكه من زاوية جديدة.

التوحد يبدأ من الدماغ، وليس من السلوك

عندما يرفرف الطفل بيديه، أو يرفض ارتداء ملابس معينة، أو يغطي أذنيه عند سماع صوت المكنسة الكهربائية، فإن هذه ليست المشكلة بحد ذاتها، بل هي النتيجة التي نراها.

أما البداية الحقيقية، فهي في الطريقة التي يستقبل بها الدماغ المعلومات، ويعالجها، ويربط بينها، ثم يقرر كيف يستجيب لها.

لهذا السبب، فإن محاولة تغيير السلوك دون فهم ما يحدث داخل الدماغ تشبه محاولة إيقاف جهاز إنذار دون البحث عن سبب تشغيله. قد يختفي الصوت مؤقتًا، لكن السبب الحقيقي يبقى موجودًا.

دماغ مختلف… وليس دماغًا أقل

من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا أن التوحد يعني وجود دماغ “ناقص” أو “معطوب”. هذا تصور غير دقيق ولا تدعمه المعرفة العلمية الحديثة.

يصف كثير من الباحثين التوحد بأنه اختلاف في النمو العصبي، أي أن الدماغ يتطور بطريقة تختلف عن المعتاد، وليس بالضرورة بطريقة أسوأ. قد يواجه الطفل تحديات في بعض الجوانب، لكنه قد يمتلك في المقابل قدرات قوية في الانتباه للتفاصيل، أو الذاكرة، أو التفكير المنطقي، أو ملاحظة الأنماط التي قد لا ينتبه إليها الآخرون.

لذلك، فإن الهدف من فهم الدماغ ليس البحث عن “خلل”، بل فهم طريقة عمله، حتى نستطيع دعمه بما يناسبه.

الدماغ يعالج المعلومات بطريقة مختلفة

لا يستقبل الدماغ المعلومات من البيئة كما هي، بل يفسرها وينظمها ويحدد أهميتها.

في التوحد، تشير الأبحاث إلى أن بعض عمليات معالجة المعلومات قد تتم بطريقة مختلفة. فقد يحتاج الطفل إلى وقت أطول لفهم ما يسمعه، أو قد يركز على تفاصيل صغيرة بينما يفوته السياق العام، أو قد يجد صعوبة في التعامل مع عدة مصادر للمعلومات في الوقت نفسه.

لهذا قد يبدو الطفل وكأنه لم يسمعك عندما تناديه، بينما يكون في الحقيقة منشغلًا بمعالجة أصوات أخرى أو بمحاولة فهم ما يحدث حوله.

الحواس ليست مجرد حواس

قد يسمع طفلان الصوت نفسه، لكن لا يشعران به بالطريقة نفسها.

يعاني كثير من الأشخاص التوحديين من اختلافات في معالجة المعلومات الحسية، وليس المقصود بذلك أن حواسهم أقوى أو أضعف دائمًا، بل إن الدماغ قد يفسر الإشارات الحسية بطريقة مختلفة.

قد يكون صوت المكنسة الكهربائية بالنسبة لك مزعجًا قليلًا، لكنه بالنسبة لطفل توحدي قد يبدو مؤلمًا أو طاغيًا. وقد تكون بطاقة صغيرة داخل القميص مجرد تفصيل لا تلاحظه، بينما يشعر بها الطفل كأنها تحتك بجلده طوال الوقت.

وعلى الجانب الآخر، قد يبحث بعض الأطفال عن مدخلات حسية إضافية، فيدورون، أو يقفزون، أو يلمسون الأشياء باستمرار، لأن ذلك يساعد دماغهم على تنظيم نفسه.

الروتين يمنح الدماغ شعورًا بالأمان

يستغرب كثير من الأهالي تمسك طفلهم الشديد بالروتين، ويظنون أنه مجرد عناد.

لكن بالنسبة إلى كثير من الأطفال التوحديين، يساعد الروتين على تقليل كمية المفاجآت التي يحتاج الدماغ إلى معالجتها. عندما يعرف الطفل ما الذي سيحدث بعد قليل، يصبح العالم أكثر قابلية للتوقع، ويقل الجهد الذهني المطلوب للتكيف مع التغيرات.

هذا لا يعني أن الطفل لا يستطيع تعلم المرونة، لكنه قد يحتاج إلى وقت، وتحضير، ودعم مناسب عندما يواجه التغييرات

الانهيار ليس نوبة غضب

من المهم أن نفرق بين نوبة الغضب المعتادة وبين ما يسمى أحيانًا بالانهيار (Meltdown).

قد يحدث الانهيار عندما يتعرض الدماغ لكمية من الضغوط أو المدخلات الحسية أو التغييرات تفوق قدرته على التعامل معها في تلك اللحظة.

في هذه الحالة، لا يكون الطفل يحاول السيطرة على الموقف أو الحصول على شيء معين، بل يكون جهازه العصبي قد وصل إلى حالة من الإرهاق الشديد.

فهم هذا الفرق يساعد الأهل على الانتقال من فكرة “كيف أوقف هذا السلوك؟” إلى سؤال أكثر فائدة: “ما الذي أوصل طفلي إلى هذه الحالة؟”

لماذا يبدو كل طفل توحدي مختلفًا؟

قد يقرأ الأهل قائمة بأعراض التوحد، ثم يلاحظون أن طفلهم لا يشبه أطفالًا آخرين شُخّصوا بالتوحد.

وهذا أمر طبيعي.

التوحد يسمى “طيفًا” لأن الاختلافات بين الأشخاص التوحديين كبيرة. لا يوجد دماغ توحدي واحد يعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع، كما لا توجد خطة واحدة تناسب جميع الأطفال.

لهذا السبب، فإن مقارنة طفلك بطفل آخر قد تقود إلى توقعات غير واقعية، أو إلى قرارات لا تناسب احتياجاته.

الدماغ يتعلم… لكنه يحتاج إلى الطريق المناسب

اختلاف طريقة عمل الدماغ لا يعني أنه لا يستطيع التعلم.

الأطفال التوحديون قادرون على اكتساب مهارات جديدة، وبناء علاقات، والتواصل، وتحقيق تقدم حقيقي، لكن الطريقة التي يتعلمون بها قد تختلف عن غيرهم.

بعضهم يحتاج إلى وقت أطول لمعالجة المعلومات، وبعضهم يستفيد أكثر من الوسائل البصرية، وبعضهم يحتاج إلى بيئة هادئة تقل فيها المشتتات. عندما نفهم هذه الاختلافات، يصبح التعليم أكثر فعالية وأقل إرهاقًا للطفل.

ماذا يعني هذا للأهل؟

قد يكون أهم ما يخرج به الأب أو الأم من هذا المقال هو أن كثيرًا من السلوكيات التي تبدو محيرة لا تعني أن الطفل عنيد، أو غير مهتم، أو يرفض التعاون. في كثير من الأحيان، تكون هذه السلوكيات انعكاسًا للطريقة التي يعمل بها دماغه، أو لمحاولته التعامل مع عالم يفرض عليه متطلبات حسية واجتماعية ومعرفية قد تكون مرهقة بالنسبة إليه.

كلما فهمت طريقة عمل دماغ طفلك، أصبحت أكثر قدرة على اختيار البيئة المناسبة، وطريقة التواصل المناسبة، والدعم الذي يناسب احتياجاته الحقيقية، بدلًا من الاكتفاء بمحاولة إيقاف السلوك الظاهر.

فهم دماغ الطفل التوحدي لا يعني أن لديك جميع الإجابات، لكنه يمنحك إطارًا مختلفًا لرؤية طفلك. بدلًا من تفسير كل تصرف على أنه مشكلة تحتاج إلى إصلاح، تبدأ بالنظر إليه كرسالة تحمل معنى، أو كطريقة يحاول بها الدماغ التكيف مع العالم.

وهذه هي الفكرة التي تقوم عليها مجلة زيكو كلها: كلما فهمت اختلاف طفلك بصورة أعمق، أصبحت أكثر قدرة على دعمه بالطريقة التي تناسبه، وتحترم احتياجاته، وتساعده على النمو بثقة وأمان.

إيمان الشعلة

محررة صحفية بخبرة تتجاوز 15 عامًا، وناشطة حقوقية في مجال دعم الأم والأسرة وصوت التوحديين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى