لماذا يحب طفل التوحد الروتين إلى هذا الحد؟

من أكثر السلوكيات التي يلاحظها الأهل بعد تشخيص طفلهم بالتوحد تمسكه الشديد بالروتين. قد يصر على استخدام الكوب نفسه كل صباح، أو يسلك الطريق ذاته عند الخروج، أو يرتب ألعابه بالطريقة نفسها كل يوم. وعندما يتغير شيء بسيط في هذا التسلسل، قد يشعر بانزعاج شديد لا يبدو متناسبًا مع حجم التغيير.

لهذا يصف كثير من الناس الطفل التوحدي بأنه “يعشق الروتين” أو “يكره التغيير”. لكن هذه العبارات، رغم انتشارها، لا تشرح حقيقة ما يحدث داخل دماغه، بل قد تقود إلى فهم غير دقيق لطبيعة التوحد.

فالروتين بالنسبة لكثير من التوحديين ليس هدفًا بحد ذاته، ولا هو سلوك ناتج عن العناد أو الرغبة في السيطرة على الآخرين، وإنما قد يكون وسيلة يستخدمها الدماغ ليجعل العالم أكثر قابلية للتوقع وأكثر أمانًا.

العالم الذي نراه ليس هو العالم الذي يراه التوحدي

يمر معظم الناس بيومهم دون أن يلاحظوا عدد القرارات الصغيرة التي يتخذها الدماغ كل دقيقة. نغير طريقنا إذا وجدنا ازدحامًا، ونجلس في مكان مختلف إذا كان مقعدنا مشغولًا، ونتعامل مع المفاجآت اليومية دون أن نشعر بأن العالم قد اختل.

أما بالنسبة لكثير من الأطفال التوحديين، فقد تكون هذه التغييرات الصغيرة أكثر تعقيدًا. فدماغهم لا يعالج المعلومات بالطريقة نفسها، وقد يبذل جهدًا أكبر لفهم الأصوات، والإضاءة، والحركة، وتعابير الوجوه، وتسلسل الأحداث. لذلك، عندما تكون تفاصيل اليوم معروفة مسبقًا، يصبح لدى الدماغ مساحة أكبر للتعامل مع كل هذه المعلومات دون إرهاق إضافي.

من هنا، يصبح الروتين وسيلة لتنظيم العالم، وليس قيدًا يفرضه الطفل على نفسه أو على من حوله.

المشكلة ليست في التغيير… بل في المفاجأة

من الأخطاء الشائعة أن نقول إن الطفل التوحدي “يخاف من التغيير”. في الواقع، كثير من التوحديين يستمتعون باكتشاف أماكن جديدة أو تعلم معلومات جديدة أو ممارسة اهتمامات مختلفة، لكن الفرق يكمن في أن التغيير يكون أسهل عندما يكون متوقعًا.

عندما يعرف الطفل مسبقًا أن الخطة ستتغير، يبدأ دماغه تدريجيًا في بناء تصور جديد لما سيحدث. أما إذا وقع التغيير فجأة، فإن الدماغ يضطر إلى إعادة تنظيم توقعاته بالكامل خلال لحظات، وهو ما قد يسبب شعورًا بالارتباك أو القلق أو الانهيار.

ولهذا قد يبدو رد فعل الطفل كبيرًا مقارنة بسبب بسيط من وجهة نظر الآخرين، بينما يكون السبب الحقيقي هو أن دماغه فقد فجأة الإطار الذي كان يعتمد عليه لفهم ما سيحدث بعد ذلك.

إيمان الشعلة

محررة صحفية بخبرة تتجاوز 15 عامًا، وناشطة حقوقية في مجال دعم الأم والأسرة وصوت التوحديين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى