لماذا قد يتعلم الطفل التوحدي شيئًا معقدًا جدًا... ولا يستطيع تنفيذ شيء بسيط؟

قد يحفظ أسماء أكثر من مئة نوع من الديناصورات.

وقد يعرف ترتيب كواكب المجموعة الشمسية، أو يميز بين عشرات أنواع القطارات، أو يحفظ مشاهد كاملة من فيلم شاهده مرة واحدة.

لكن عندما تطلب منه أن يرتدي قميصه، أو أن يغسل أسنانه، أو أن يضع حقيبته في مكانها، يبدو الأمر وكأنه يواجه أصعب مهمة في العالم.

بالنسبة لكثير من الآباء والأمهات، يبدو هذا تناقضًا يصعب فهمه.

كيف يستطيع دماغ طفل أن يستوعب معلومات معقدة، ثم يعجز عن تنفيذ مهمة يومية بسيطة؟

قد يبدو الجواب غريبًا، لكن علم الأعصاب يقدم تفسيرًا مختلفًا تمامًا:

لأن الدماغ لا يتعلم كل شيء بالطريقة نفسها.

أكبر سوء فهم عن التعلم

نحن نميل إلى التفكير في التعلم وكأنه قدرة واحدة.

إما أن الطفل “يتعلم”، أو “لا يتعلم”.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

فالدماغ لا يملك مركزًا واحدًا مسؤولًا عن التعلم، بل يستخدم شبكات مختلفة حسب نوع المهمة.

فحفظ معلومة، والتخطيط لحركة، وفهم تعبيرات الوجه، وربط الحذاء، وإجراء محادثة… كلها تعتمد على أنظمة معرفية مختلفة تعمل معًا بدرجات متفاوتة.

لهذا السبب قد يكون الطفل قويًا جدًا في أحدها، ويحتاج إلى دعم أكبر في نظام آخر.

المعرفة ليست هي المهارة

لنتخيل طفلًا يعرف جميع خطوات غسل الأسنان.

إذا سألته:

  • ماذا تفعل أولًا؟
  • ثم ماذا؟
  • وبعدها؟

قد يجيبك بالإجابة الصحيحة كلها.

لكن عندما يحين وقت التنفيذ، لا يبدأ.

هل نسي؟

غالبًا لا.

لأن معرفة الخطوات شيء، وتنفيذها شيء آخر.

التنفيذ يحتاج إلى سلسلة طويلة من العمليات الدماغية التي تبدأ قبل أن يتحرك الطفل أصلًا.

يجب أن يتذكر المهمة في اللحظة المناسبة، ويوقف ما يفعله الآن، ويخطط للحركة، وينتقل بين الخطوات دون أن يفقد تركيزه.

أي صعوبة في إحدى هذه العمليات قد تجعل المهمة تبدو أصعب بكثير مما تبدو لنا.

لماذا تبدو الاهتمامات الخاصة مختلفة؟

يلاحظ كثير من الأهالي أن طفلهم يستطيع تعلم كل ما يتعلق بموضوع يحبه بسرعة مذهلة.

قد يحفظ أسماء القطارات أو الحيوانات أو الخرائط أو الشخصيات خلال وقت قصير جدًا.

هذا لا يعني أن دماغه يمتلك “ذاكرة خارقة” لكل شيء.

ما يحدث هو أن الاهتمام العميق يمنح الدماغ دافعًا قويًا للتركيز، والانتباه، وتكرار التعرض للمعلومة، وهي عوامل تجعل التعلم أكثر كفاءة.

ولهذا نجد أن الطفل قد يقضي ساعات وهو يقرأ عن موضوع واحد دون أن يشعر بالإرهاق، بينما يواجه صعوبة في تعلم مهارة لا تثير اهتمامه بالطريقة نفسها.

لماذا تبدو المهارات اليومية أصعب مما نتخيل؟

لأننا ننظر إليها باعتبارها مهام بسيطة، بينما الدماغ يراها سلسلة طويلة من العمليات المتزامنة.

خذ مثال ربط الحذاء.

هذه المهمة لا تعتمد على حركة الأصابع فقط.

بل تتطلب:

  • التخطيط للحركة.
  • التنسيق بين اليدين.
  • متابعة ترتيب الخطوات.
  • الانتباه المستمر.
  • الإحساس بموضع الرباط بين الأصابع.
  • تصحيح الأخطاء أثناء التنفيذ.
  • الاستمرار حتى نهاية المهمة.

كل واحدة من هذه العمليات تعتمد على شبكات دماغية مختلفة.

لذلك قد لا تكون المشكلة في “ربط الحذاء” نفسه، بل في العبء المعرفي الذي تتطلبه المهمة.

الذكاء لا يساوي الاستقلال

من أكثر المفاهيم التي تربك العائلات أن الطفل قد يبدو شديد الذكاء، لكنه يحتاج إلى مساعدة في مهارات الحياة اليومية.

والسبب أن الذكاء ليس مقياسًا لكل وظائف الدماغ.

قد يمتلك الطفل قدرة ممتازة على التفكير المنطقي أو حفظ المعلومات، بينما يواجه تحديات في الوظائف التنفيذية، أو في التخطيط، أو في تنظيم السلوك، أو في دمج المعلومات الحسية أثناء أداء مهمة عملية.

لهذا لا ينبغي الحكم على قدرات الطفل من خلال مهارة واحدة، سواء كانت نقطة قوة أو نقطة ضعف.

عندما نرى النتيجة… ننسى ما يحدث داخل الدماغ

عندما يفشل الطفل في تنفيذ مهمة، نحن نرى النتيجة فقط.

لكن الدماغ يكون قد مر بعدة مراحل قبل الوصول إليها.

  • هل انتبه إلى الطلب؟
  • هل فهم المطلوب؟
  • هل استطاع الاحتفاظ بالمعلومة في ذاكرته أثناء التنفيذ؟
  • هل عرف من أين يبدأ؟
  • هل بقي مركزًا حتى النهاية؟

أحيانًا لا تكون المشكلة في المهارة نفسها، بل في خطوة سابقة لم نلاحظها.

ولهذا قد يكون السؤال الصحيح ليس:

“لماذا لا يستطيع؟”

بل:

“في أي مرحلة توقفت المهمة داخل دماغه؟”

ماذا يعني هذا للأهل؟

عندما نفهم أن التعلم ليس نظامًا واحدًا، تتغير نظرتنا إلى كثير من المواقف اليومية.

فالطفل الذي يحفظ أسماء الكواكب ولا يرتب ألعابه ليس بالضرورة عنيدًا.

والطفل الذي يقرأ الكلمات ولا يستطيع أن يطلب حاجته ليس بالضرورة غير راغب في التواصل.

قد يكون دماغه يعتمد على نقاط قوة حقيقية، وفي الوقت نفسه يواجه تحديات في أنظمة معرفية أخرى لا تظهر للعين.

وهذا الفهم لا يقلل من قدراته، بل يجعل توقعاتنا أكثر عدلًا، وطرق دعمنا أكثر واقعية.

عندما ترى طفلك يبرع في شيء معقد ويجد صعوبة في أمر يبدو بسيطًا، لا تنظر إلى ذلك على أنه تناقض.

بل تذكر أن الدماغ لا يبني جميع المهارات بالطريقة نفسها.

قد تكون المعرفة موجودة، لكن تحويلها إلى فعل يحتاج إلى أن تعمل عشرات العمليات العصبية بتناغم.

وفهم هذا الاختلاف هو الخطوة الأولى نحو دعم الطفل بطريقة تحترم كيف يعمل دماغه، بدل أن نحاكمه وفق الطريقة التي تعمل بها أدمغة الآخرين.

إيمان الشعلة

محررة صحفية بخبرة تتجاوز 15 عامًا، وناشطة حقوقية في مجال دعم الأم والأسرة وصوت التوحديين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى