هل صُمم ABA لراحة المجتمع.. أم لاحتياجات الطفل التوحدي؟

لسنوات طويلة، كان اسم ABA يُطرح بوصفه “المعيار الذهبي” لتعليم الأطفال التوحديين. بالنسبة لكثير من العائلات، كان السؤال الأول بعد التشخيص: متى سيبدأ طفلي جلسات ABA؟ وكأن الطريق قد رُسم مسبقًا، ولم يعد هناك ما يستحق النقاش.

لكن مع مرور السنوات، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه بقوة، ليس من الباحثين فقط، بل من أشخاص توحديين أصبحوا بالغين وخاضوا هذه التجربة بأنفسهم:

هل كان الهدف من ABA أن يجعل حياة الطفل أفضل… أم أن يجعل سلوكه أكثر قبولًا في نظر المجتمع؟

هذا السؤال لا يعني أن ABA جيد أو سيئ، بل يدعونا إلى مراجعة الفلسفة التي قامت عليها كثير من برامج التدخل، وإلى إعادة التفكير في معنى “النجاح” عندما نتحدث عن طفل توحدي.

كيف بدأ ABA؟

نشأ تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis) في ستينيات القرن الماضي، في وقت كانت فيه العلوم السلوكية تركز على فكرة بسيطة: إذا استطعنا تعزيز السلوك المرغوب وتقليل السلوك غير المرغوب، فإن التعلم سيصبح أكثر فاعلية.

وبالنسبة للأطفال التوحديين، كان الهدف المعلن هو تعليم مهارات تساعدهم على الاندماج في المجتمع، مثل التواصل، والاعتماد على النفس، والقدرة على التعلم.

لكن عند النظر إلى كثير من البرامج المبكرة، نجد أن النجاح لم يكن يُقاس دائمًا بما يشعر به الطفل، بل بما يراه المراقب من الخارج.

كيف كان يُعرَّف “الطفل الناجح”؟

في كثير من البرامج القديمة، كان الطفل يُعتبر متقدمًا عندما:

  • يجلس بهدوء لفترات طويلة.
  • ينظر في عيني المتحدث.
  • ينفذ التعليمات بسرعة.
  • يتوقف عن الحركات التكرارية.
  • يبدو أكثر شبهًا بالأطفال الآخرين.

هذه الأهداف قد تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا:

هل كانت هذه المهارات ضرورية لحياة الطفل؟ أم أنها كانت ضرورية لراحة الأشخاص المحيطين به؟

هناك فرق كبير بين تعليم طفل أن يطلب الماء عندما يعطش، وبين تعليمه أن يخفي طريقة تنظيمه لنفسه لأنها تزعج الآخرين، وأضف إلى ذلك، هناك مقياس خطير يُقارن فيه الطفل التوحدي بالطفل الطبيعي، وكأن مقياس النجاح في الحياة هو ما يفعله الأشخاص العاديون، وهو بحد ذاته إنكار لاختلاف التوحد وطريقة عمل دماغه وتفاعله مع الحياة.

عندما يصبح “الطبيعي” هو الهدف

لوقت طويل، كان يُنظر إلى النجاح على أنه تقليل الفروق بين الطفل التوحدي وأقرانه.

كلما بدا الطفل أكثر “طبيعية”، اعتُبر البرنامج أكثر نجاحًا.

لكن هذا المنطق يحمل مشكلة عميقة.

فالاختلاف ليس دائمًا مشكلة تحتاج إلى إزالة، وبعض السلوكيات التي حاولت البرامج القديمة إيقافها كانت، بالنسبة للطفل، وسيلة لتنظيم التوتر أو التعامل مع الحمل الحسي.

عندما نطلب من طفل أن يتوقف عن سلوك يساعده على الشعور بالأمان، دون أن نقدم له بديلًا حقيقيًا، فإننا قد نكون أزلنا العرض أمام أعيننا، لكننا لم نعالج السبب الذي دفعه إليه.

ماذا قال التوحديون البالغون؟

خلال العقدين الماضيين، بدأت أصوات التوحديين البالغين تُسمع بصورة أكبر.

كثير منهم قالوا إنهم تعلموا مهارات مفيدة خلال جلسات ABA، لكنهم تحدثوا أيضًا عن جانب آخر من التجربة.

قال بعضهم إنهم شعروا بأن الرسالة التي وصلت إليهم لم تكن: “أنت تستطيع أن تتعلم.”

بل كانت:

“أنت مقبول فقط عندما تتصرف مثل الآخرين.”

وبالنسبة للبعض، لم يكن أكثر ما أتعبهم هو التدريب نفسه، بل الإحساس المستمر بأن عليهم إخفاء اختلافاتهم حتى ينالوا القبول.

ومن المهم التأكيد أن هذه الشهادات لا تمثل جميع من خضعوا لـ ABA، لكنها كانت مؤثرة بما يكفي لإطلاق نقاش عالمي حول أهداف التدخل وأساليبه.

هل يعني ذلك أن ABA سيئ؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

ABA ليس برنامجًا واحدًا، بل مجموعة من المبادئ والأساليب، وما يقدمه طفل في مركز قد يختلف تمامًا عما يتلقاه طفل آخر في مركز مختلف.

هناك ممارسات قديمة تعرضت لانتقادات واسعة، وهناك ممارسات حديثة تطورت كثيرًا، وأصبحت تركز على اللعب، والدافعية، واحترام احتياجات الطفل، وتقليل الضغوط غير الضرورية.

لهذا، فإن الحكم على ABA بكلمة واحدة، سواء كانت “ممتاز” أو “سيئ”، لا يعكس الواقع.

السؤال الأهم ليس: هل هذا ABA؟

بل:

كيف يُطبق؟ وما الذي يحاول تحقيقه؟

ما الهدف الحقيقي من أي تدخل للتوحد؟

لو كان الطفل يتعلم أن يعبّر عن ألمه بدل البكاء، أو يطلب المساعدة عندما يحتاج إليها، أو يكتسب مهارة تجعله أكثر استقلالًا، فهذه أهداف تخدم حياته هو قبل أي شخص آخر.

أما إذا كان الهدف الأساسي هو أن يجلس بطريقة ترضي من حوله، أو أن يخفي حركاته الطبيعية فقط لأنها تبدو مختلفة، فهنا يستحق الأمر أن نتوقف ونسأل: لمن صُمم هذا الهدف؟

ليس كل ما يجعل الطفل يبدو أكثر هدوءًا يعني أنه أصبح أكثر راحة.

وأحيانًا يكون الطفل قد تعلم إخفاء ضيقه، لا التخلص منه.

كيف تغيّرت النظرة اليوم؟

في السنوات الأخيرة، بدأت كثير من المؤسسات والاختصاصيين يتحدثون بلغة مختلفة.

أصبح التركيز يتجه نحو جودة الحياة، والاستقلال، والتواصل الحقيقي، واحترام الفروق العصبية، بدل السعي إلى إزالة كل سلوك مختلف.

واليوم، يزداد الاتفاق على أن نجاح أي تدخل لا يُقاس فقط بعدد المهارات التي اكتسبها الطفل، بل أيضًا بما إذا كان يشعر بالأمان، ويحافظ على كرامته، ويستطيع أن يكون نفسه دون خوف.

إن هذه النظرة لا ترفض تعليم الطفل، بل ترفض أن يكون ثمن التعلم هو فقدان هويته.

ليست المشكلة في اسم البرنامج، ولا في المدرسة العلاجية التي يتبعها.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الهدف أن يبدو الطفل مقبولًا، بدل أن يشعر بأنه مقبول.

فالطفل التوحدي لا يحتاج إلى أن يتعلم كيف يخفي اختلافه، بل يحتاج إلى من يساعده على فهم نفسه، والتواصل مع العالم، واكتساب المهارات التي تمنحه حياة أكثر استقلالًا وكرامة.

ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أي جلسة، وقبل أي خطة علاجية، ليس:

“كيف نغيّر هذا الطفل؟”

بل:

“هل ما نعلمه اليوم سيجعل حياته أفضل… أم سيجعلها فقط أكثر راحة لمن حوله؟

إيمان الشعلة

محررة صحفية بخبرة تتجاوز 15 عامًا، وناشطة حقوقية في مجال دعم الأم والأسرة وصوت التوحديين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى