التوحد اختلاف يحتاج إلى فهم وليس مرضًا يحتاج إلى علاج
التوحد كما أراه… اختلاف يحتاج إلى فهم، لا مرضًا يحتاج إلى علاج
خلال سنوات عملي مع أطفال التوحد، تعلمت أن الطفل الذي أمامي ليس مجرد تشخيص، وليس مجموعة من الأعراض التي نبحث عن طريقة لإزالتها. فكل طفل قابلته علّمني شيئًا مختلفًا.
علّمني أن ما نراه من سلوك قد يكون وراءه احتياج لم نفهمه بعد، وأن عدم قدرة الطفل على التعبير لا يعني أنه لا يشعر، وأن اختلاف طريقة لعبه أو تواصله أو استجابته لا يعني أنه أقل قيمة من غيره.
ومن هنا أصبحت نظرتي للتوحد مختلفة عمّا يتداول عنه أحيانًا.
أنا أرى التوحد اختلافًا في طريقة فهم الطفل للعالم والتفاعل معه، وليس مرضًا نختصر الطفل فيه ونبحث فقط عن طريقة لعلاجه.
وهذا لا يعني أن الطفل لا يحتاج إلى دعم أو تدريب أو تدخلات مناسبة، بل يعني أن البداية الصحيحة بالنسبة لي هي: أن نفهم الطفل أولًا.
الطفل قبل البرنامج
من أكثر الأمور التي أؤمن بها في عملي أنني لا أستطيع أن أضع برنامجًا واحدًا وأطلب من كل طفل أن يتكيف معه.
الأطفال مختلفون. احتياجاتهم مختلفة، وقدراتهم مختلفة، واهتماماتهم مختلفة، وظروف أسرهم وبيئاتهم مختلفة.
لذلك لا أؤمن بأن هناك برنامجًا واحدًا يمكن أن يكون الحل لجميع أطفال التوحد.
قد نستفيد من أساليب وبرامج مختلفة، لكن الأهم هو أن نعرف:
- ماذا يحتاج هذا الطفل تحديدًا؟
- وما الذي يناسب قدراته؟
- وما الذي يناسب أسرته؟
- وما الذي يمكن تطبيقه فعلًا في حياته اليومية؟
فالبرنامج يجب أن يخدم الطفل، وليس أن نجبر الطفل على خدمة البرنامج.
الأهل ليسوا خارج الخطة
من وجهة نظري، الأهل هم أهم جزء في رحلة الطفل.
ليس لأنهم متخصصون، وإنما لأنهم يعيشون مع طفلهم معظم ساعات اليوم.
الأخصائي قد يرى الطفل ساعة أو ساعتين…
لكن الأم والأب يرونه في الصباح، وعند الطعام، وفي السيارة، وأثناء اللعب، وعند النوم، وعندما يغضب، وعندما يفرح.
لذلك لا أرى أن دور الأهل هو فقط أن يأخذوا طفلهم إلى الجلسة ثم ينتظروا النتائج.
دور الأهل أكبر من ذلك.
أريد أن أرفع وعي الأهل ليصبحوا قادرين على فهم طفلهم، وملاحظة احتياجاته، واستثمار المواقف اليومية للتعلم، وبناء الاستقلالية، والتعامل مع السلوك بطريقة أكثر فهمًا وهدوء.
ولا يعني ذلك أن يصبح الأب أو الأم أخصائيين.
بل أن يمتلكوا الوعي الكافي ليكونوا شريكًا حقيقيًا في تعليم طفلهم.
ما هو التوحد؟ دليل شامل لفهم التوحد وأعراضه وتشخيصه وطريقة دعم الطفل التوحدي
التدريب لا يحدث داخل الجلسة فقط
أحيانًا نعتقد أن التدريب يعني الجلوس أمام الطفل وإعطائه مجموعة من الأوامر.
لكن الحياة اليومية مليئة بفرص التعلم:
- وقت الطعام فرصة للتواصل والاستقلالية.
- ارتداء الملابس فرصة للتدريب.
- الذهاب إلى المتجر فرصة للتعلم.
- اللعب فرصة للتواصل.
- الانتظار فرصة للتدريب على تحمل التأخير.
- غسل اليدين وتنظيف الأسنان واستخدام الحمام كلها مهارات مهمة في حياة الطفل.
لذلك أؤمن بأن أفضل تدريب ليس بالضرورة التدريب الأكثر تكلفة، وإنما التدريب الذي نستطيع دمجه في حياة الطفل والأسرة والاستمرار عليه.
البيئة يجب أن تتكيف مع الطفل
أحيانًا نطلب من الطفل أن يتغير، بينما لا نسأل أنفسنا:
- هل البيئة من حوله مناسبة له؟
- هل الضوضاء عالية؟
- هل المكان مزدحم؟
- هل التعليمات كثيرة؟
- هل نطلب منه مهارة لا يمتلك استعدادًا لها بعد؟
- هل نعطيه وقتًا كافيًا للاستجابة؟
- هل لديه طريقة واضحة للتعبير عن احتياجاته؟
تهيئة البيئة ليست تدليلًا للطفل، بل هي جزء من فهم احتياجاته ومساعدته على النجاح.
وعندما نهيئ البيئة المناسبة، قد نكتشف قدرات لم نكن نراها من قبل.
التقبل قبل التدريب
قبل أن أبدأ بتعليم الطفل، أحتاج أن أبني علاقة معه. أحتاج أن يشعر بالأمان معي.
أن يعرف أنني لن أرفضه لأنه أخطأ، ولن أغضب لأنه لم يستجب بالطريقة التي أريدها.
العلاقة ليست شيئًا إضافيًا في العملية التعليمية؛ العلاقة هي أساس التعليم.
عندما يشعر الطفل بالأمان والتقبل، يصبح من الأسهل أن يتعلم، وأن يحاول، وأن يثق بمن حوله.
ولهذا أقول دائمًا: قبل أن تسأل: كيف أدرب طفلي؟
اسأل: هل طفلي يشعر أنني أفهمه وأقبله؟
وماذا عن المجتمع؟
مسؤولية الطفل والأسرة لا تنتهي عند باب المنزل أو المدرسة.
المجتمع أيضًا عليه مسؤولية.
نحتاج إلى مجتمع يفهم أن اختلاف التواصل أو السلوك لا يعني سوء التربية.
نحتاج إلى مدارس وأماكن عامة أكثر استعدادًا لاستقبال الأطفال المختلفين.
نحتاج إلى احترام الطفل وأسرته بدلًا من إصدار الأحكام عليهم.
والجهات المختصة عليها مسؤولية أكبر في توفير الخدمات المناسبة، ودعم الأسر، ووضع معايير واضحة لجودة الخدمات المقدمة للأطفال.
فالدمج الحقيقي لا يعني فقط وجود الطفل بين الآخرين…
بل أن يشعر بأنه جزء من المجتمع ومقبول فيه.
وماذا عن المعلم والأخصائي؟
إذا كنا نطلب من الأهل أن يرفعوا وعيهم، فمن باب أولى أن نطلب ذلك من العاملين مع الأطفال.
معلم التربية الخاصة والأخصائي الذي يعمل مع طفل التوحد يحمل مسؤولية كبيرة.
لذلك أرى أهمية وجود اختبارات مهنية وتدريب مستمر للمعلمين والأخصائيين، ليس بهدف التضييق عليهم، وإنما لضمان امتلاكهم المعرفة والمهارات التي يحتاجها الطفل.
المعلم الكفؤ لا يكتفي بحفظ اسم البرنامج.
بل يعرف كيف يلاحظ، ويحلل، ويخطط، ويعدل أسلوبه، ويتواصل مع الأسرة، ويعرف متى ينجح الأسلوب ومتى يحتاج إلى تغيير.
والأهم…
أن يرى الطفل أمامه قبل أن يرى التشخيص.
كمعلم خاص.. لماذا أنشأت صفحتي؟
ربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت صفحتي بالنسبة لي أكثر من مجرد صفحة أنشر فيها معلومات عن التوحد.
خلال سنوات عملي، تعلمت الكثير من الأطفال والأسر والمواقف اليومية.
وأدركت أن دوري كمعلم لا يجب أن ينتهي عندما تنتهي ساعات الدوام.
إذا كانت لدي خبرة يمكن أن تساعد أمًا على فهم طفلها، أو تجعل أبًا ينظر إلى طفله بطريقة مختلفة، أو تساعد معلمًا على التفكير بأسلوب جديد… فلماذا لا أشاركها؟
لذلك أصبحت منشوراتي تتجه أكثر نحو التوعية.
أشارك أفكاري وتجربتي وما تعلمته من عملي، وأحاول أن أقدم للأهل محتوى بسيطًا يمكن أن يلامس حياتهم اليومية.
أنا لا أقدم نفسي على أنني أملك الحل لكل طفل.
ولا أؤمن بأن هناك طريقة واحدة تصلح للجميع.
هدفي أن أكون صوتًا داعمًا للأهل، ومصدرًا يساعدهم على الفهم والتفكير وطرح الأسئلة الصحيحة.
رسالتي لكل أم وأب
لا تجعلوا تشخيص التوحد يأخذ منكم فرصة التعرف على طفلكم الحقيقي.
لا تنظروا فقط إلى ما لا يستطيع فعله.
انظروا إلى ما يستطيع.
إلى اهتماماته.
إلى نقاط قوته.
إلى محاولاته الصغيرة.
إلى الطريقة التي يعبّر بها عن حبه وفرحه واحتياجاته.
لا تعتمدوا اعتمادًا كاملًا على الأخصائي أو البرنامج.
كونوا جزءًا من الرحلة.
وتذكروا أنكم لستم مطالبين بأن تكونوا مثاليين.
المهم أن تتعلموا، وتجربوا، وتفهموا، وتعيدوا المحاولة.
طفلكم لا يحتاج أهلًا يعرفون كل شيء…
بل يحتاج أهلًا يريدون أن يفهموه.
وفي النهاية…
التوحد بالنسبة لي ليس كلمة تختصر طفلًا.
هو اختلاف يحتاج إلى فهم، واحتواء، وتقبل، ودعم مناسب.
والطفل ليس مشروعًا نريد إصلاحه بأي طريقة.
هو إنسان لديه مشاعر، واحتياجات، واهتمامات، وقدرات، وتحديات.
ودورنا ليس أن نجعله نسخة من الآخرين…
بل أن نساعده على أن يكون أفضل نسخة ممكنة من نفسه، بالطريقة التي تناسبه وتناسب أسرته وبيئته.
العبرة:
قبل أن نبحث عن أفضل برنامج لطفل التوحد،
لنبحث أولًا عن أفضل طريقة لفهمه.
وقبل أن نطلب من الطفل أن يتكيف مع العالم…
لنسأل أنفسنا: ماذا فعلنا نحن لنجعل العالم أكثر ملاءمة له.







